حبيب الله الهاشمي الخوئي
337
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
عنها ، وكلّ ما هو آت قريب ، وهنا لك تبلو كلّ نفس مأ أسلفت وردّوا إلى اللَّه موليهم الحقّ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون . تكملة هذه الخطبة رواها المحدّث العلامة المجلسي قدّس سرّه في المجلَّد السابع عشر من البحار من كتاب عيون الحكمة والمواعظ لعليّ بن محمّد الواسطي قال : ومن كلام له عليه السّلام : إنكم مخلوقون اقتدارا ، ومربوبون اقتسارا ، ومضمّنون أجداثا ، وكائنون رفاتا ، ومبعوثون افرادا ، ومدينون جزاء ، ومميّزون حسابا ، فرحم اللَّه عبدا اقترف فاعترف ، ووجل فعمل ، وحاذر فبادر ، وعبّر فاعتبر ، وحذّر فازدجر ، وأجاب فأناب ، وراجع فتاب ، واقتدى فاحتذى ، فأسرع طلبا ، ونجا هربا فأفاد ذخيرة ، وأطاب سريرة ، وتأهّب للمعاد ، واستظهر بالزّاد ، ليوم رحيله ، ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته ، تقدّم امامه لدار مقامه فمهّدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان ، فهل ينتظر أهل غضارة الشّباب إلَّا حوانى الهرم ، وأهل بضاضة الصحّة إلَّا نوازل السّقم ، وأهل مدّة البقاء إلَّا مفاجأة الفناء ، واقتراب الفوت ودنوّ الموت ، وازوف الانتقال ، واشفاء الزّوال ، وحفى الأنين ، ورشح الجبين ، وامتداد العرنين ، وعلز القلق ، وفيض الرّمق ، وألم المضض ، وغصص الجرض . واعلموا عباد اللَّه أنكم وما أنتم فيه من هذه الدّنيا على سبيل من قد مضى ممّن كان أطول منكم أعمارا ، وأشدّ بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة جامدة من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيّدة ، والسّرور والنّمارق الممهّدة ، الصخور والأحجار المسندة ، في القبور اللاطئة الملحدة التي قد بين الخراب فنائها وشيد التراب بنائها ، فمحلَّها مقترب وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلَّة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون الجيران والاخوان على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدّار .